بقلم: خليفة محمد الزعابي

من البديهي أن نحب الأشخاص الذين يوافقوننا الأفكار والتصرفات والأساليب والقيم والاعتقادات، بخلاف ما قيل (المختلفون ينجذبون).. ويعدّ الاتصال الفعال هو المفتاح السحري لإقامة علاقة صداقة قوية مع الطرف الآخر, ولا يتأتّى هذا الاتصال الفعال إلا إذا استخدمتَ قواك اللغوية كلها، مع نبرات صوتك وتعبيرات وجهك وحركات جسمك بطريقة مقاربة للطرف الآخر، وعليك أن تمنحه الإحساس بأنكما متقاربان، وأنك تفهمه وتقدره وتحترم رأيه, ولذا فهو يبادلك الاحترام والتقدير، ويستخدم قوته اللغوية ونبرة صوته وتعبيرات وجهه وحركات جسمه بطريقة تشبه طريقتك وتحاكيها, بحيث يحدث بينكما توافق ممتاز.

بخلاف العكس, الذي يحدث إذا ما استخدمتَ قوتك اللغوية ونبرة صوتك وتعبيرات وجهك بطريقة مختلفة عن الشخص الآخر بحيث تشعره أنك مختلف عنه, فيبادلك بدوره الاتصال بنفس الطريقة، ولن يحدث بينكما توافق، بل سيكون سبباً في الشعور بالأحاسيس السلبية تجاه هذا الشخص.

 

ما هو الاتصال الفعال؟
الاتصال الفعال هو الوصول إلى درجة عالية من التفاهم والألفة مع الطرف الآخر، والتعامل معه على أساس الاحترام الكامل والفهم المطلق لوجهات النظر، وتقبله على ما هو عليه حتى الوصول إلى النتيجة.
أهم أساليب بناء الاتصال الفعال وكيفية استخدامها:
هناك ثلاثة أساليب مرتبة على ثلاث مراحل لأهم استراتيجيات بناء اتصال فعال هي:
المعايرة “التطابق”, المجاراة, القيادة.

 

أولاً: المعايرة
وهي الطريقة التي تتم بها ملاحظة ردود الفعل الدقيق وقياس التغيرات اللحظية للآخرين, أو بمعنى أدق ومختصر هو تعديل وضبط سلوكك أو تصرفك في كل موقف ليتقارب مع سلوك وتصرفات الشخص الآخر.
والمعايرة تحتاج إلى جهد كبير في التدريب والممارسة, ومن النظرة الأولى تبدو مستحيلة، وذلك لأن عليك ملاحظة جميع ردود الأفعال وقياس التغيرات وتعديل وضبط سلوكك على هذا الأساس, ولكن مع التدريب والممارسة تصبح الأمور أكثر سهولة وتصبح ممتعة.
كل ما عليك فعله هو ملاحظة أوضاع الجسم والصوت واللغة, وعليك أن تطابق تحركات جسمه وتعبيرات وجهه ونبرات صوته بطريقة لا تجعله يشعر وكأنك تقلده, مع التركيز -بالإضافة إلى أوضاع الجسم والصوت واللغة- على:

 

1. الأحاسيس الداخلية
التي تعتمد مهارات الحدس, والمسؤول عنها النصف الأيمن من المخ والتي قد تضمر إذا لم تستخدم بشكل منتظم.

 

2. التغير في لون البشرة
وهي ملاحظة تغير لون البشرة للشخص الآخر ومعايرة درجة هذا التغير ومن ثم التطابق الكامل مع الحالة, وهذا يعتمد في الدرجة الأولى على التواصل مع الحالة المزاجية للطرف الآخر، سواء أكان حزيناً أو سعيداً أو خجولاً أو مفعماً بالحيوية, مع الانتباه إلى حركة الشفتين والعينين وكيفية التنفس وغيرها من حركات الوجه.

 

3. التعليقات التلقائية المباشرة
الانتباه إلى التعليقات الخفيفة المباشرة من أهم دلالات حدوث تواصل قوي, ومن الخطأ تجاهل ذلك خصوصاً أنها مباشرة وواضحة.. انظر إليه وهو يعلق بقوله “أنا أوافقك” أو “هذا جيد” فعليك الانتباه إلى ذلك.

 

ثانياً: المجاراة
هي عملية طويلة المدى، وهي مهارة استراتيجية، وهي ليست مطابقة وقتية معينة، بل هي الاستمرار في عملية المعايرة والمطابقة السابقة، وهي المحافظة على استمرارية المطابقة التامة لحركات جسمك مع تحركات الطرف الآخر واستخدام نفس تعبيراته وألفاظه.
مجال المجاراة كبير وواسع نحاول أن نذكر أهم جوانبه:

 

1. تحركات الجسم وتعبيرات الوجه
وهي تبدأ بحركة الجسم كاملاً.. إلى حركة اليدين وحركة الرجلين وحركة الرأس وتعبيرات الوجه والتنفس والصوت. فحركة الجسم هي مطابقة وضعية جسمك لوضعية الطرف الآخر سواء أكان مائلاً إلى اليمين أو إلى الشمال, إلى الأمام أو إلى الخلف, وفي حركة اليدين متابعة حركات يدي الطرف الآخر, فإن وضعها على الطاولة ضعها على الطاولة، وإن أرسلها وأطلقها أرسلها وجاره في ذلك, وكذلك بالنسبة إلى حركة الرجلين فإنْ هو وضع إحدى الرجلين على الأخرى فافعل مثله وتابع أي وضعية أو حركة لها, كما أن حركة الرأس يجب أن تطابقها مع حركات رأسه وأكتافه, وتكون تعبيرات الوجه بمراقبة ومطابقة تعبيرات العينين والحاجبين والشفتين والتنفس والصوت بملاحظة تحركات الصدر والشهيق والزفير, مع الانتباه إلى نبرة صوته وسرعته فهما مرتبطان.

 

2. المجاراة اللفظية والمعلوماتية
وهنا نرجع مرة أخرى إلى النظام التمثيلي اللغوي بأنواعه الثلاثة (السمعي, الحسي, البصري) فأنت تستخدم نفس النظام التمثيلي للطرف الآخر مع عدم تفويت التعبيرات الخاصة التي يكثر استخدامها مثال: (ممتاز, جيد, حسن, عظيم.. إلخ).

 

3. المجاراة العقدية والفطرية
عند الوصول إلى هذه النقطة ونجاحك في مجاراة الطرف الآخر في عقيدته وقيمه التي فطر عليها واعتادها, فأنت قد وصلت إلى أبعد نقطة في خريطة التفاهم بينكما, وهنا أريد أن أؤكد أمراً مهماً.. وهو أنه لا يطلب منك أن تؤيد الطرف الآخر في معتقداته التي لا تؤمن بها أو أنك غير مقتنع بها، ولكن عليك ألا تنقدها أو تستهزئ بها، ولكن اذكرها كما هي دون الحكم عليها.

 
ثالثاً: القيادة
بوصولنا إلى نقطة القيادة نصل إلى الغاية والهدف النهائي من (بناء الاتصال الفعال) وهي النتيجة التي ينتظرها الشخص بعد مرحلتي المعايرة والمجاراة, وهي أنه إذا ما بدأ الطرف الآخر بمجاراتك في حركات جسمك أو لغتك أو نبرة صوتك، فهذا يعني أنك قد وصلت إلى مرحلة القيادة، وأنك تستطيع إقناع الشخص الآخر بوجهات نظرك, وهنا تتوافر لك فرص تحقيق أهدافك، وتستطيع التأكد من وصولك إلى هذه المرحلة عبر تحريك جزء من جسمك بحركة بسيطة, فإذا لاحظت متابعة الطرف الآخر لك في الحركة فأنت إذاً القائد، وعند ذلك تكون قد نجحت في بناء الاتصال العميق الفعال.
 
المصدر: مجلة الأفكار الذكية