بقلم كريستوفر سيل

عندما انطلق الازدهار العمراني العام 2002 في دبي مدعوماً بالتغييرات التي حدثت على تشريعات الملكية الشخصية، ترافق ذلك مع تعليقات لا تمتدحه مقارنة بأعمال البناء عالمياً. فمثلاً كانت تقارير وسائط الإعلام في المملكة المتحدة نادراً ما تذكر منطقة الخليج من دون إيماءة إلى معايير البناء المتبعة أو ظروف العمل السيئة.

لكن الزمن تغير، فبوجود مقاولين ومستشارين عالميين، ربما أصبح الوضع الدفاعي لمعايير البناء في منطقة الخليج أقل مما كان سابقاً. وهذا يفترض جدلاً السؤال عن مدى اتساع الهوة بين أسواق البناء الأساسية العريقة والراسخة ومنطقة الشرق الأوسط؟ ومع وفرة المقاولين والمستشارين من أستراليا وجنوب إفريقيا وأوروبا المشاركين في إنجاز المشاريع الكبيرة فإن السؤال يكون هل المقارنة عادلة؟

كالمعتاد، الإجابة على هذا السؤال وبكل بساطة تستدعي أسئلة أخرى اعتماداً في واقع الحال على الشركة التي ستنجز العمل وحجم المشروع موضوع النقاش. يوافق “كينت ساوثورث” مدير العقود في شركة ALEC العقارية على هذه المقولة معلقاً:”لا يمكنك حقاً التعميم ولكنك تجد بالتأكيد أنه في المشاريع الأكثر فخامة عليك أن تلتزم بالجودة. ومثلاً إذا نظرت إلى الفيلات في منطقة الينابيع فإنك سترى أن أعمال الإنهاء “التشطيب” ليست جيدة.
 
ويؤكد جير جينسن المدير العام لشركة “دوكا غالف” بأنه بوجود المستشارين الملائمين ومواد البناء المناسبة فإن نوعية الأبنية تتجه للتحسن. لكن توجد هوة حقيقية بين سوق المنطقة والأسواق المتقدمة من جهة الموقف من مسألة الأمان في موقع العمل والاختلاف الملحوظ في النشاطات المقبول بها في موقع العمل بين منطقة الشرق الأوسط وأوروبا. قال جينسن:”يجب عدم السماح بإرسال أشخاص إلى ارتفاعات معينة من دون اتخاذ إجراءات السلامة اللازمة. إذا نظرت إلى فرنسا في هذه الأيام، العمل على ارتفاع يزيد عن متران يتطلب استخدام قضبان للسلامة ووسائل وقاية وحماية.”

يسهب جينسن مضيفاً أن الأمر لا يتعلق بنقص الأنظمة الحقيقية فحسب كسبب رئيس وراء هذا الخلل في قطاع البناء، بل يوجد نقص في الوعي المتعلق بسلامة اليد العاملة مستشهداً بالأعداد الكبيرة من العمال التي استفادت من العفو العام للعودة إلى الهند ودول أخرى في شبه القارة الهندية. ” يؤسفني القول أن قيمة عامل البناء منخفضة. مكثوا هنا لأربع أو خمس سنوات وعاشوا وتعلموا. ربما لا تكون لديهم كفاءات عالية إلا أنهم ذوو خبرة. ومع صدور هذا العفو والفرصة للعودة إلى الوطن حيث تنو أسواق العمل تنمو لماذا عليهم البقاء والعيش في عالم لا يحظون فيه بأي احترام ككائنات بشرية؟!”

أضاف جينسن قائلاً أن النزوع إلى استخدام أعداد كبيرة من الأيدي غير الماهرة هو نتيجة طبيعية لنقص في توفر العمال المؤهلين، بينما في أوروبا وجنوب إفريقيا من الطبيعي أن يكون عدد العمل أقل لأن العاملين في الموقع ماهرون. وكلما ازداد عدد العمال ازدادت بالمقابل مخاطر وقوع الحوادث.

ومع ذلك هذا يتجاهل هذا التقييم اختلافاً جوهرياً إضافياً بين المقاولين العاملين في الشرق الأوسط وأولئك في أوروبا: هو اختلاف يؤثر سلباً على الشركات العاملة في المنطقة بصرف النظر عن طموحاتها لتحقيق الجودة والالتزام بالمواعيد. قال “كيز تيلر” المدير التنفيذي في ALEC: “التحدي الذي نواجهه يتعلق بالإنتاجية. إذا نظرت إلى إنتاجية كل شخص في أوروبا تجدها أكثر ارتفاعاً مما هو عليه الحال هنا، وأعتقد أن هذا هو الشيء الذي علينا النظر فيه.” أضاف متسائلاً: لماذا يحصل موقع عمل في ألمانيا، مثلاً يستخدم أساليب وطرق العمل ذاتها على مردود أكثر من يوم العمل مقارنةً مع موقع عمل هنا في دبي؟، يقول ” تيلر” أن الإجابة تكمن في تدريب القوى العاملة أو ربما اعتماد الحوافز لتشجيع إنتاجية أكبر.

وهكذا أين يكمن سبب التقصير في الإنتاجية؟ “هذا سؤال جيد، ما نريد عمله هو فهم عدم مقدرتنا على المساواة بين المقاييس الأوروبية والأسترالية. إذا ذهبت إلى موقع عمل في أوروبا ستجد عمالاً يعملون في الموقع لا يزيد عددهم عن أصابع اليد الواحدة. إنهم مثابرون، ويتبعون طرائق العمل ومنظمون. ما يحدث هنا هو أن العناصر البشرية تعامل بلا مبالاة لأنها رخيصة. فبدل شخص واحد يمكنك الحصول على خمسة. أما في أوروبا إن حصلت على شخص أو خمسة أشخاص فإن التكلفة هي عامل حاسم. وعلى العاملين أن يكونوا أكثر كفاءة.” يوجد سبب إضافي آخر محتمل يتعلق بالفروق الحضارية وعدم معرفة الأنظمة المعقدة المستخدمة في منطقة الخليج.
“بالنسبة لنا كشركة ننفق كثيراً من المال على إنتاجية العمال. فإذا حصلنا على مناقصة معينة نقول أن على كل عامل بناء خمسين طابوقة يومياً، ولكنه إذا أنجز ثلاثين فقط فإننا نخسر بذلك مالاً. إذا سألت جميع شركات البناء من الذي يكسب نقوداً بسبب العمال، لا أظن أن أياً منهم يكسب من وراء ذلك.”

مع ذلك فإن الفجوة في المعايير لا تقف عند إنتاجية العمال أو تطبيق إجراءات السلامة فحسب بل تتعلق بعناصر أخرى في أعمال المقاولات مع أن الشركات العالمية الأكبر تتبع قواعد صارمة في السلامة والجودة.

ساعد وجود المقاولين في السوق على جلب معايير شاملة في قطاع البناء أكثر اقتراباً من المعايير العالمية المقبولة. تنشأ المشكلة عندما تقوم أنت بتقييم عمل صغار المقاولين في السوق الذين قد لا يلتزمون بالإجراءات المعتمدة.

المصدر: أرابيان بيزنس