كيري بنكر و ميكاييل ويكفيلد

أحد أسباب الصعوبة في قيادة التغيير هو التوتّر الناشئ بين إدارة شؤون العمل (تكوين الرؤية، تنسيق وجهات الموارد، إعادة هيكلة المنظّمة) و بين إدارة شؤون البشر (المشاعر و الاهتمامات المبرّرة لدى من يتحمّلون واجب تنفيذ التغيير، و التعاملَ مع تداعياته كلّ يوم).

توازنات القيادة… ما لا يدرك كلّه لا يُترك جلّه:
لتكوين و استدامة بيئة الثقة خلال التغيير يجب على القادة إقامة التوازن بين ستّة أضداد. و مع أنّه يستحيل على أيّ إنسان المحافظة على هذه التوازنات محافظةً تامةً في كلّ وقت، فإنّ القادة الناجحين يعلمون أنّ هذا المطلب المثاليّ يستحق السعيّ نحوه دون توقّف.

معظم المديرين مهرةٌ في الجانب المختص بقضايا العمل من قيادة التغيير. فلقد تلقوا تدريبهم للتعامل مع القضايا التنظيمية والتشغيليّة، و كذلك يتمّ تقدير أداءهم و مكافأتهم تبعاً لمقدرتهم على الابتكار و تحقيق النتائج الملموسة.

ولكنّ الضغوط المتولّدة من التغييرات التنظيمية أو التشغيلية المهمّة تجبر المديرين على توجيه اهتمامٍ خاص نحو ما يحدث في الجانب الإنسانيّ من المنظّمة، و في هذا الموضع يظهر عجز كثير من القادة.

و النتيجة؟ ثقافةٌ تنظيمية متزلزلة، ثقةٌ متلاشية، موالاة منحسرة، و خوفٌ و تشكيك بين الموظفين… و متى! في وقتٍ تكونٌُ فيه القوة العاملة المتحمّسة، الموالية، و المنتجة هي العنصر الأهم من عناصر النجاح.

كيف يمكن للقادة معالجة الجانب الإنساني في عملية التغيير دون الإضرار بجانب العمل؟ كيف يمكنهم اتخاذ قراراتٍ صعبة دون تضييع الرؤية و الاهتمام بمشاعر و اهتمامات الموظفين في كلّ المستويات التنظيمية؟

في مركز القيادة الإبداعية ( CCL ) وجدنا أن الإجابة هي بناء الثقة من خلال الصدق و الصراحة.

عندما يركّز القادة على ترسيخ الثقة فإنّهم يصبحون أقدر على التعامل مع كلا جانبي التغيير (جانب العمل و جانب البشر). سيجدون أنفسهم صنّاع قراراتٍ صعبة و بشراً متعاطفين مع البشر. ملتزمين بالخطّة و متفهّمين في الوقت ذاته للمتاعب التي يمكن أن تسبّبها للناس.

بالتركيز على ترسيخ الثقة سيجد القائد نفسه مرناً سريع المناورة، و متيناً راسخاً لا يحيد عن الهدف و قادراً على مواجهة تحدّيات الإبداع و التغيير بكفاءةٍ و فاعليّة.

 


التوازنات الستة المطلوبة لنجاح قائد التغيير
و لنجاح القائد عموماً
 

تحريك التغيير

 تزعّم المبادرة أو التغيير الكبير، المثابرة على ترويجه وتحفيز الآخرين على الالتحاق بالركب

ملاءمة التحوّل

 ملاحظة ومعالجة الجوانب الشعورية والشخصية للتغيير

 الإلحاح على السرعة

 إبراز الحاجة إلى التصرف بسرعة، واستحثاث مسيرة التغيير

 الصبر الواقعي

 إدراك متى وكيف ينبغي تبطيء المسيرة حتى يتمكن الناس من المواكبة والتأقلم

الصلابة

 صناعة القرارات الصعبة دون تردّد

التعاطف

 أخذ وجهات نظر الآخرين في الاعتبار وتفهّم آثار تصرفات وقرارات القائد على الناس

 إبراز التفاؤل

 ملاحظة الجانب الإيجابي من أيّ تحدٍّ، وبثّ التفاؤل في الآخرين

 الواقعية والصراحة

 نشر الموقف بصراحة وعدم الخوف أو الخجل من إعلان المصاعب والأخطاء

الاعتماد على الذات

 إيمان القائد بقدرته على تولّي التغييرات الجديدة

الثقة بالآخرين

 الانفتاح على مشاركات الآخرين وتركهم يقومون بكل ما هم قادرون عليه

تفعيل المقدرات والخبرات الحاضرة

إدراك وتقدير القائد لقدراته وقدرات منظمته و تطبيقها بثقة في المواقف الجديدة

المضيّ خارج نطاق المألوف و المرغوب

مفارقة الماضي والإقبال على التعلّم وتجريب الجديد مهما كانت العملية صعبةً أو مكروهة

1- الموازنة بين تحريك التغيير و بين التلاؤم مع التحوّل:
إن تحريك التغيير يتطلب القدرة على إدارة المبادرة، و اكتساب الموالاة، و المحافظة على التسارع. و التلاؤم مع التحوّل يعني المراعاة و التعامل مع مشاعر الناس و آرائهم في التغيير و تبعاته المحتملة. و القادة المهرةُ في كلا الجانبين سيوجدون مناخاً يمكن للناس فيه العمل معاً مهما كانت الظروف قاسية.2- الموازنة بين الإلحاح على السرعة و بين الصبر الواقعي:
توصيل مطلب السرعة القصوى هو من أهمّ واجبات قادة التغيير، فالشعور بإلحاح الزمن يشجّع تدفق الطاقة الإيجابيّة و يزيد الإنتاجية. و بدوره فإنّ الصبر لا يقلٌ أهمية.3- الموازنة بين صلابة القائد و تعاطفه:
إن صلابة القائد هي مواجهته التحديات مواجهةً صريحةً لا تردّد فيها، إنها تعني الحسم و الوقوف موقفاً ثابتاً تجاه المقاومة. و أمّا تعاطفه فهو الحساسية الدقيقة المتجاوبة و التفهّم العميق لمشاعر و تجارب الآخرين.
إن القائد المتعاطف هو القادر على وضع نفسه موضع الآخرين و التفكير بعقليّاتهم آخذاً في الاعتبار الحدود الحاكمة لكل فرد. و هو القادر على تقويم الناس إلى جانب تقويم النتائج. إنّه يدرك كم يؤدّي ضعف التعاطف إلى زعزعة المعنويات و إضعاف اندفاع الناس.
4- الموازنة بين إظهار التفاؤل و بين الواقعية و الصراحة:
يلعب القادة دوراً جوهرياً في الحفاظ على تفاؤل الناس بنجاح التغييرات الكبرى. إنّهم يحتاجون إلى رؤية آثارها الإيجابيّة و توصيل تلك الرؤية للآخرين، فعندما تحاصر الناس ضغوط التغيير فإنّهم يتجهون إلى قادتهم لاستمداد الطاقة و الثقة. إن القادة المتفائلين ملتزمون التزاماً حقيقاً بالتغيير الذي يطالبون الناس بتنفيذه و يسري تفاؤلهم إلى الناس.5- الموازنة بين الاعتماد على النفس و الثقة بالآخرين:
إن القادة المعتمدين على أنفسهم يستمدون هذه الخصلة من إيمانهم بقدراتهم و مهاراتهم الذاتيّة. إنّهم معتادون على العمل مستقلّين و كثيراً ما يجدون فخرهم في المقدرة على الانطلاق و التوصل إلى الأهداف وحدهم.6- الموازنة بين الاعتماد على الخبرات الماضية و بين القدرة على مفارقة المألوف:
في خضمّ الأزمات، يُدفع القادة إلى الاعتماد على المقومات و المقدرات التي أوصلتهم في الماضي إلى النجاح. لكنّ المبالغة في الاعتماد على الطرق المجرّبة قديماً يمكن أن تحبس القادة ضمن استراتيجيات لا تصلح للوضع الحاضر، و الفشل في إدراك الظروف التي تتطلب أساليب جديدة يمكن أن يكون كارثةً مدمّرة.

إنّ هؤلاء القادة يعتنقون رؤية التغيير و يفلحون في توصيل رؤيتهم و حماستهم و طاقتهم إلى الآخرين. و في الوقت ذاته يفتحون الباب على مصراعيه أمام أنفسهم و أمام الآخرين للتعبير عن الشكوك و المخاوف.

و هكذا تصل الثقة و الالتزام إلى مستوياتٍ أرقى و تكتسب مبادرة التغيير مزيداً من التسارع مع مضيّ الناس في عملية تنفيذها.

 

إنّ الصبر الواقعي يقتضي معرفة متى و كيف ينبغي تبطيء المسيرة حتى يتمكن الناس من مواكبتها و التأقلم معها، فنفاد الصبر مع الناس يمكن أن يزعزع التزامهم و يعرقل عملية التغيير.

القائد المتوازن لا يفزع، لا يفرط في التفاعل، و لا يجعل كلّ الأمور على درجةٍ واحدة من الأهميّة. إنّه يبذل جهداً واعياً لتقديم الدعم والإرشاد حيثما تلزم.

إنّه يدرك أن الناس المختلفين يتلاءمون مع التغيير بطرقٍ مختلفة. قد يحتاج بعضهم مزيداً من الوقت أو التدريب لتلبية المطالب الجديدة، و قد يحتاج البعض الآخر إلى لقاءاتٍ منفتحة للتنفيس عن شكاياتهم. و الصبر الواقعيّ يعني أيضاً إمداد الناس بتغذية راجعة أمينة ومنتظمة، فالناس يريدون أن يعرفوا ماذا يؤدون تأديةً صحيحةً و ماذا يحتاج إلى تأديةٍ بطرقٍ مختلفة.

 

إن مقدرتي الصلابة و التعاطف هما من أشدّ المقدرات القيادية صعوبةً في الموازنة. فكثيرٌ من القادة تلقّوا تعليماً يملي عليهم قمع حساسياتهم التعاطفية إذا أرادوا النجاح في اتخاذ القرارات الصعبة، و هم يخافون من أنّ إظهار جانبهم الليّن سوف يوصّل للآخرين رسالةَ ضعفٍ أو عدم التزام. و لكنّ الحقيقة هيّ أنّ التواصل المتعاطف يولّد في أوقات الأزمات و التغييرات الكبرى تأثراً معاكساً لما يظنّه هؤلاء.

أجل، إن الناس يريدون أن يروا قائدهم صلباً حازماً و لكنهم يريدونه أيضاً أن يكون بشراً يتفهّم البشر.

 

نعم، التفاؤل مطلبٌ مهم و لكن القائد المتوازن لا يتفاءل تفاؤلاً أعمى. إنّ تفاؤليّته متّزنةٌ مع الواقعيّة و الصراحة، و هكذا يستطيع قراءة الموقف كما هو بالفعل. ليس من مهمّات هذا القائد تلبيس الحقائق بالسكّر، و لا يجد هذا القائد صعوبةً كبيرة في الإفصاح عن أخطائه. إن القادة المتزنين يطرحون التساؤلات الحرجة، و يعلنون الأنباء الحلوة و المرة، و يوجّهون الأنظار إلى التحدّيات. إنّ هذا المزيج المتوازن من التفاؤل و الواقعية من أشدّ الركائز أهميةً في بناء الثقة.

 

و أما الثقة بالآخرين فتعني تمكين الآخرين من تأدية أدوارهم في المهمات و المشاريع دون تدخل أو مبالغةٍ في ممارسة الإدارة. وفي مواقف التغيير المعقدة يغدو من المهمّ جداً للقادة أن يأتمنوا الآخرين حتّى يقدّموا وجهات نظرهم و خبراتهم الخاصة.

كثير من القادة يجدون صعوبةً كبيرةً في الموازنة بين المقدرتين السابقتين. فأسطورة القائد البطولي الخارق الذي يبقى قوياً مقداماً و معتمداً على نفسه في وجه التحديات الاستثنائية ما تزال متجذرةً في الأعماق. لكنّ الحقيقة هي أنّ القادة يجدون فرصةً أكبر للتقدم و الارتقاء عندما يواجهون الظروف المعقدة بفريق قوي من الحلفاء.

مهما كان التحدي، فإنّ التناول الجماعي التعاوني يتيح استبصاراً و ابتكاراً و تنفيذاً لا يمكن لأعظم الأفراد موهبةً تأديته مستقلاً بنفسه.

 

على المستوى الفردي يعتبر العجز أو القصور في التكيّف السبب الرئيس في خروج القادة عن المسار المجدي. و لذلك ينبغي أن تتوفر لدى القائد مقدرةٌ كبيرةٌ على التحرّر من نطاق الراحة و تحدّي أنماط العمل و التفكير المفضّلة. و باختصار: المقدرة على التفكير و القيام بما ينبغي القيام به و ليس بما يُرغب القيام به.

حتى يوازنوا قدراتهم الحالية مع المهارات و اتجاهات العمل و التفكير الجديدة المطلوبة ، ينبغي على القادة البدء بتقويم قواهم و مآخذهم و تفضيلاتهم و سلوكاتهم السائدة. و في برامج مركز القيادة الإبداعية “CCL” فإن هذا المطلب يحقق من خلال تركيبةٍ من التقويمات المحيطية الشاملة ” 360-degree assessments” و التغذية الراجعة، و الرعاية “coaching” التي يقدمها القادة المخضرمون.

التغذية الراجعة المباشرة و الأمينة التي يقدمها الرؤساء أو الزملاء أو التابعون تزوّد القادة بصورةٍ واضحةٍ لأدائهم و سلوكهم و تكمّل النقص الذي لا بدّ من أن يقع فيه أيّ إنسانٍ عندما ينظر إلى نفسه و أعماله.

إنّ هذا الوعي للذات هو ما يسمح للقائد بتحديد ما لديه من قوى، و معالجة المآخذ و ممارسة سلوكاتٍ مختلفة. و وعي الذات أيضاً يتيح للقائد تعظيم الاستفادة من تنوّع المواهب، و من التجارب و الآراء المختلفة لدى الآخرين و التخلّص من الرؤية النفقية و التفكير الجمعي.

المصدر: مجلة عالم الإبداع