أحمد صالح العجلة

التحكيم هو النظام الذي يمكن بمقتضاه الفصل في المنازعة بواسطة أفراد عاديين بعيداً عن القضاء في الدولة ويسمى بالقضاء الخاص وهو الطريق الذي غالباً ما تلجأ إليه الأطراف المتنازعة بغية الإفلات من سلطان القضاء وذلك لاعتبارات كثيرة منها:

الرغبة في الحصول على حكم سريع يكون فاصلاً للنزاع وقابلاً للتنفيذ والتحكيم ويضمن في الغالب للخصوم تحقيق هذه الرغبة أكثر من القضاء نظراً لتفرغ المحُكّم للفصل في النزاع، بينما نجد أن القاضي أمامه منازعات عديدة . إضافة إلى أن المحُكّم يكون ملزماً بأداء مهمة التحكيم خلال وقت محدد يتفق عليه الخصوم، في حين لا يتقيد القاضي بأي مهلة . كما يكون المحُكّم من أهل الخبرة فلا يحتاج إلى خبرة غيره لمعاونته على حل النزاع ويساعده ذلك على اختصار الوقت، بينما نجد أن القاضي لا يستطيع الفصل في بعض المنازعات إلا بالاستعانة برأي أهل الخبرة في موضوع المنازعة . وأخيراً فإن قرار المحُكّم في النزاع يكون واجب النفاذ، بينما الحكم الذي يصدر عن القاضي لا يتم تنفيذه إلا بعد صيرورته نهائياً أي بعد استنفاد كافة الطرق التي حددها القانون للطعن فيه .

رغبة الطرفين في المحافظة على طابع السرية للمنازعة وذلك حرصاً على مصالحهم في مواجهة الغير، سواء كان هذا الغير عميلاً لدى أي منهم أو منافساً لهم في مجال العمل .

رغبة الطرفين في التوصل إلى حل عادل للنزاع يضمن استمرارية العلاقة بينهما بعد ذلك .

وينشأ التحكيم عادة من مصدر اتفاقي أي لا بد من اتفاق الطرفين على اللجوء إلى التحكيم لتسوية كل أو بعض المنازعات التي تنشأ أو يمكن أن تنشأ بينهما بسبب علاقة قانونية معينة عقدية كانت أو غير عقدية .

والتحكيم قانوناً هو طرح نزاع معين على شخص أو أشخاص يطلق عليه اسم “المحُكّم” أو “المحُكّمون” ليفصلوا في النزاع بدلاً عن المحكمة المختصة أصلاً . وقد يكون هذا الحكم بناء على تفويض الخصوم للمُحكم كنتيجة لما فصل فيه من نزاع أو إعمالاً لسلطة الصلح التي تم تفويض المحُكّم بها من قبل الخصوم .

وبذلك، يعني التحكيم تنازل طرفي النزاع عن حقوقهما الدستورية في اللجوء للقضاء العادي لصالح جهة أو شخص أو هيئة تقوم بذلك الدور بإجراءات مختلفة تماماً عن إجراءات التقاضي وصولاً إلى حسم النزاع .

ورغم دور الإرادة الفردية في اختيار هذا الطريق النابع من إرادة الأطراف، إلا أن هذه الإرادة ليست الفيصل في إضفاء المشروعية على الحكم الذي يصدر عن المحُكّم أو المحُكّمين إذ إن المشرع باعتماده للتحكيم وما يصدر من المحُكّمين يكون له المشروعية من حيث تطبيق وتنفيذ هذه الأحكام .

وإذا كان لجوء الأطراف إلى التحكيم يعتبر تنازلاً منهم عن حقهم في اللجوء لقاضيهم الطبيعي فإن ذلك لا يُفقد القاضي سلطانه، حيث يعود هؤلاء الأطراف إلى القضاء بعد صدور حكم المحُكّمين . ولإضفاء مشروعية التنفيذ على حكم المحُكّمين لا بد من رفع دعوى أمام القضاء للتصديق على هذا الحكم ثم تبدأ مرحلة تنفيذه بعد ذلك .

ونظراً للتطور الهائل الذي تشهده دولة الإمارات العربية المتحدة في مجالات التجارة والاستثمار والتنمية وغيرها من المجالات وما يترتب على هذه المعاملات من نزاعات ذات طبيعة خاصة تحتاج إلى من هم أكثر دراية وخبرة بهذه الأمور، واعترافاً من المشرع الإماراتي بالدور الذي يقوم به المحُكّمون وإسهامهم في حل النزاعات والتخفيف عن كاهل القضاء، فقد أفرد للتحكيم المواد من (203) حتى (218) من قانون الإجراءات المدنية الاتحادي رقم (11) لسنة 1992 .

وقد نظمت هذه المواد كيفية الاتفاق على التحكيم وإثباته والمسائل التي يجوز فيها التحكيم وما يشترط توافره في المحُكّم ورد وعزل المحُكّم وقواعد وإجراءات نظر النزاع حتى صدور الحكم وتنفيذه ودور القضاء في الرقابة على ما يصدر عن المحُكّمين من أحكام .

وأجاز القانون للمتعاقدين (أطراف العقد) أن يتفقوا على إحالة ما ينشأ بينهم من نزاعات إلى التحكيم، أي قبل نشوء النزاع . فإذا كان النزاع قد نشأ فتتم إحالته للتحكيم بموجب اتفاق لاحق بين الأطراف وفي هذه الحالة يتم الاتفاق على التحكيم قبل رفع الدعوى إلى القضاء أو أثناء نظر الدعوى، حيث يتعين وقف إجراءات الدعوى وإحالة الأمر للتحكيم .

ويكون الاتفاق على التحكيم إما باتفاق الأطراف في العقد أو باتفاق لاحق وهذا ما أكدته المادة (203) الفقرة (1)، حيث نصت على انه: “يجوز للمتعاقدين بصفة عامة أن يشترطوا في العقد الأساسي أو باتفاق لاحق عرض ما قد ينشأ بينهم من نزاع في تنفيذ عقد معين على مُحكّم أو أكثر . كما لا يجوز الاتفاق على التحكيم في نزاع معين بشروط خاصة” . كما نصت الفقرة (2) أنه “لا يثبت الاتفاق على التحكيم إلا بالكتابة” .

ونظراً للطبيعة الخاصة للتحكيم وكونه استثناء من الأصل العام في تنازل الأطراف عن حقهم في التقاضي أمام قاضيهم الطبيعي، فإنه يجب أن يكون الاتفاق على التحكيم مكتوباً وواضحاً وصريحاً حتى يستخلصه القاضي في تفسيره للعقد، أي يجب أن تكون إرادة الخصوم في اللجوء إلى التحكيم واضحة ومحددة . ومتى تم الاتفاق على الإحالة للتحكيم فلا يجوز رفع الدعوى أمام القضاء للنظر في أسباب هذا النزاع المتفق على إحالته للتحكيم

ورغم ذلك، فقد يلجأ بعض الأطراف إلى القضاء متجاهلين هذا الاتفاق . وفي هذه الحالة وكأصل عام، فإنه يحق للطرف الآخر وفي أول جلسة حضور له أمام القضاء أن يدفع بعدم جواز النظر بالدعوى لوجود شرط التحكيم . وهذا ما أكدته الفقرة (5) من نص المادة، حيث أشارت إلى أنه “إذا اتفق الخصوم على التحكيم في نزاع ما فلا يجوز رفع الدعوى به أمام القضاء” . ومع ذلك، إذا لجأ أحد الطرفين إلى رفع الدعوى من دون اعتداد بشرط التحكيم ولم يعترض الطرف الآخر في الجلسة الأولى جاز النظر بالدعوى واعتبر شرط التحكيم لاغياً . أما إذا رفعت الدعوى مع توافر شرط التحكيم في العقد ولم يعترض من تقرر لمصلحته هذا الدفع وحضر أمام القضاء من دون إبداء أي اعتراض أو دفع فإنه بذلك يعتبر متنازلاً عن حقه في أعمال هذا الدفع أو التمسك به وتعود لقاضي الموضوع ولايته في نظر الدعوى .

أما عن إثبات الاتفاق على التحكيم فإنه وفقاً للفقرة (2) من المادة فإنه “لا يثبت إلا بالكتابة” . وهو شرط صريح نابع من الآثار التي يرتبها الاتفاق على التحكيم وهي منع طرفي النزاع من اللجوء للقاضي الطبيعي .

ووفقاً للفقرة (3) فإنه يجب أن يحدد موضوع النزاع في وثيقة التحكيم أو أثناء نظر الدعوى ولو كان المحُكّمون مفوضين بالصلح وإلا كان التحكيم باطلاً . ننتقل بعد ذلك لتعريف الأشخاص المخولين بالتحكيم وما هي المسائل التي يجوز فيها التحكيم والشروط الواجب توافرها في شخص المحُكّم حيث حددت الفقرة (4) من المادة (203) الأشخاص الذين يثبت لهم قانوناً الاتفاق على التحكيم، ونصت على أنه “لا يجوز التحكيم في المسائل التي لا يجوز فيها الصلح ولا يصح الاتفاق على التحكيم إلا ممن لديه أهلية التصرف في الحق محل النزاع” .

والواقع أن هذا التحديد، الذي أورده القانون للشخص الذي يملك هذا الحق بأنه هو المتصرف في الحق محل النزاع، فإنه يُخرج بذلك طائفة من الأشخاص لهم حق اللجوء إلى التقاضي من اللجوء للتحكيم . فمثلاً لا يجوز للقاصر أو المحجور عليه اللجوء للتحكيم كذلك الأمر للولي أو الوصي أو القيم على القاصر . كما لا يجوز للسفيه أو الذي صدر عليه حكم بالإفلاس، ما لم يرد إليه اعتباره، اللجوء للتحكيم . والعلة في ذلك أن القاصر لا يملك حق التصرف في أمواله إلا ببلوغه لسن الرشد أو أذنت له المحكمة المختصة بذلك وهذا ينطبق على الولي والوصي رغم امتلاكهما حق التصرف لمصلحة القاصر ونيابة عنه في حدود القانون .

وكذلك الأمر بالنسبة للمفلس، الذي صدر حكم ضده بالإفلاس، فإن أمواله توضع في هذه الحالة لمصلحة الدائنين فلا يجوز لهذا الشخص الاتفاق على التحكيم ما لم يصدر حكم لصالحه برد اعتباره . وقد رتب القانون (البطلان) كنتيجة طبيعية لقيام الأشخاص الذين لا يملكون الحق في الاتفاق على التحكيم باتخاذ ذلك السبيل لأن هذا الاتفاق صدر من شخص ليس له أهلية التصرف قانوناً، أي أنه ممنوع من التصرف في الحق المتنازع عليه . وقد قضت محكمة التمييز بدبي فى الطعن رقم (325) لسنة 1993 جلسة 25/6/1994 بأنه “لا يصح الاتفاق على التحكيم إلا ممن له أهلية التصرف في الحق المتنازع عليه” . ويتضح مما سبق أن الاتفاق على التحكيم يجب أن يكون من شخص لا يوجد ما يمنعه قانوناً من التصرف في الحق المتنازع عليه .

لكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام هو؛ هل يجوز أن يتم الاتفاق على التحكيم من وكيل صاحب الحق في التصرف؟

في الحقيقة يجب أن نوضح هنا أن هذا الوكيل يجب أن يكون مستمداً لصفته من وكالة خاصة تجيز له ذلك الاتفاق وبشرط ألا يكون وكيلاً عاماً . وذلك على اعتبار أن الوكيل العام لا يملك سوى اتخاذ إجراءات وتصرفات الإدارة ولا يملك حق التصرف . أما الوكيل بوكالة خاصة فيملك حق التصرف بشرط أن ينص في الوكالة على صلاحية الموكل الأصلي في عقد اتفاق التحكيم وألا يكون لديه أي مانع قانوني يمنعه من ذلك .

وبالنسبة للمسائل التي يجوز فيها التحكيم نصت الفقرة (4) من المادة (203) على المسائل التي لا يجوز فيها التحكيم، حيث قررت أنه “لا يجوز التحكيم في المسائل التي لا يجوز فيها الصلح . .” . وهي المسائل التي تتعلق بالنظام العام، حيث يجوز الاتفاق على مخالفتها سواء بالتنازل أو الصلح . فمثلاً لا يجوز الاتفاق في عقد التحكيم على مسألة ناشئة عن ارتكاب جريمة أو في مسألة ذات طابع شخصي يخص طائفة معينة حدد القانون طريق معالجتها . بمعنى أن التحكيم لا يجوز إلا في المسائل ذات الطبيعة المادية وهي التي يمكن التصالح أو التنازل عن الحق فيها .

وفيما يتعلق بالشروط الواجب توافرها في المحكم حدد القانون صفة المحكم فنص في المادة (206) فقرة (1) على أنه “لا يجوز أن يكون المحكم قاصراً أو محجوراً عليه أو محروماً من حقوقه المدنية بسبب عقوبة جنائية أو مفلساً ما لم يرد إليه اعتباره” .

ويجب أن يكون المحكم راشداً متمتعاً بقواه العقلية وبحقوقه المدنية وليس هناك ما يمنعه قانوناً من تولي مهمة التحكيم . ويترتب على هذا التحديد والصفات التي يشترط القانون توافرها في المحكم أنه يجوز لصاحب المصلحة الطعن في صلاحية المحكم لإصدار الحكم، الأمر الذي يجعل الحكم قابلاً للإبطال وهو أمر متعلق بالنظام العام . فإن لم يستخدمه من تقرر لمصلحته فيجوز للقاضي أن يحكم به من تلقاء نفسه أثناء التصديق على حكم المحكم وطرحه للتنفيذ .

وقد اشترط القانون أيضاً أن يكون عدد المحكمين وتراً كأن يكون المحكم فرداً أو ثلاثة محكمين وهو ما أكدته الفقرة (2) من المادة (206) من القانون . وإذا كان القانون قد حدد الشروط الواجب توافرها في المحكم فإنه لا يشترط أن يكون الاتفاق على التحكيم شاملاً للصلح، وهنا يقتضي تحديد اسم المحكم أو المحكمين في الاتفاق على التحكيم أو في وثيقة لاحقة وهو ما أكدته المادة (205) من القانون .

المصدر: الموقع السوري للاستشارات والدراسات القانونية