د. هلال محمد العسكر
للمديرين أنماط كثيرة فمنهم المدير الثرثار، والمدير ذو اللف والدوران، والمدير البعيد عن الوضوح في العرض، والمدير غائب الأدلة والبراهين، والمدير الغاضب والمنفعل. وهناك أنماط أخرى سبق أن تناولنا بعضا منها في كتابنا “نحو إدارة أفضل” بشيء من التفصيل، وفيما يأتي بيان موجز لكل من هذه الأنماط:

– المدير الثرثار:

وهو الذي لديه الرغبة في الكلام من أجل الكلام من دون هدف محدد، ولا يهدف إلا إلى إبراز شخصيته أو فرضها على (غيرهم)، وكأنه يحكم على الطرف (الآخر) بعقوبة الإصغاء الكامل للكلام الفارغ الذي يشتت الحقيقة ويذهب مذاهب شتى، فمن موضوعات سياسية إلى اجتماعية إلى اقتصادية من دون أن يتطلب النقاش هذا الانتقال في الكلام. ومن سلبياته أن الشخص الذي يدخل في حوار معه. يجد نفسه في مأزق لا يحسد عليه. لأن الثرثرة من الناحية الفسيولوجية مرض عقلي لا يخدم الجوانب المعرفية، فإذا استطاع المرء إيقاف الثرثار عند حده وإبقاءه في صلب الموضوع، أمكنه المواصلة معه، أما إذا أخفق في الحد من الثرثرة فإن النقاش معه يصبح غير مجد. ولذلك فإنه يجب على المدير أن يقتصر في حديثه على القليل الجميل النافع، فحديث الإنسان ترجمان عقله ودليل فضله .ولا يوجد أفضل من حبس اللسان الذي يعجز عن الصواب.

– المدير ذو اللف والدوران:

وهو الذي يتكلم في أمور جانبية لا علاقة لها بالموضوع، ويتجنب الدخول في صلب الموضوع وحقيقته قصداً، لغرض التهرب من مواجهة حقائق معينة والاعتراف بشيء لا بد من الاعتراف به، وفي هذه الحالة يجب على المرء إعادة الطرف (الآخر) إلى جادة الصواب والكف عن تضييع الوقت بمثل هذا الأسلوب. والحقيقة أن مثل هذا النهج لا يخلو من أغراض سيئة، لأن من يتبعه يهدف إلى تحقيق غاية معينة، هي: التعمية عن الحقيقة، والبعد عن الصواب، أو إيصال معلومات ناقصة تؤثر سلباً على طبيعة النقاش ومنهجيته.

– المدير الغامض:

وهو الذي يلجأ إلى الغموض والإبهام لكي يُشعر الآخرين بأهميته الفكرية أو لزيادة وزنه الثقافي من دون وجه حق. وهذا اَلنَهج يشبه كثيراً اللف والدوران من حيث الهدف، ولكنه يختلف عنه من حيث الوسيلة والشكل؛ لأن من يفتقر إلى العمق في التفكير أو الكثافة في المعلومات هو الذي يلجأ إلى العرض المبهم الذي يثير اللبس والشكوك.

والغموض نوعان: غموض حقيقي ناتج عن عمق الأفكار وقوة الرأي، من خلال عرض الجوانب غير البارزة والتي تحتاج إلى شيء من التفكير لإدراكها وتصورها، وهذا هو الفكر الفلسفي الذي يعني الغور في دهاليز الفكرة وزواياها المتعددة، وغموض مفتعل، يلجأ إليه العاجزون عن تقديم المعلومة من أنصاف المتعلمين الذين تخيل لهم عقولهم أنهم على درجة كبيرة من العلم والإدراك، فيحاولون امتطاء الإبهام والغموض لتغطية عجزهم وقصورهم العلمي ..

المدير ضعيف الأدلة والبراهين:

وهو الذي يطلق الكلام من دون أدلة وبراهين، ومن غير مستند علمي أو حجة منطقية. فالكلام عملية سهلة إذا نظرنا إليها كحركة ميكانيكية للسان، ولكنه إنما يوزن ويقاس في الحقيقة بجوهره، فإذا تضمن رأياً أو فكرة أو وجهة نظر شاذة فإن من حق (الآخر) أن يطلب منه ما يحول ذلك الكلام إلى حقيقة علمية أو واقع مشاهد، فإذا عجز عن ذلك أصبح عائقاً للنقاش. إن الأدلة والبراهين تعد بمنزلة ضوابط نظامية للفكرة أو الرأي تحوله من كلام عادي إلى معلومة حقيقية تعتمد على دليل عملي وبرهان منطقي، فإذا غابت تلك البراهين كان من حق (الآخر) أن يطالب بما يدعم الأفكار ويؤيد الآراء، لكي تتم المناقشة على أرض صلبة من الحقائق والوقائع ..

– المدير العصبي:

وهو الذي لا يتحلى برباطة الجأش وهدوء الأعصاب والسيطرة على انفعالاته ويغضب بسرعة، فالهدوء يعد من الأمور الضرورية لتحقيق مناخ طبيعي للعمل لأن الإدارة بحاجة قصوى إلى ضبط النفس والتحكم بالأعصاب والهيمنة على الانفعالات، وهذا لن يتحقق في حالة غضب المدير أو انفعاله من دون مسوغ، ومن هنا يتحتم على طرفي النقاش التوقف وتأجيل النقاش إلى وقت آخر حيث تبرد الأعصاب وتهدأ الخواطر وتزول الانفعالات.

وأخيرا وليس آخرا، نعد في مقال مقبل بإذنه تعالى أن نستكمل الحديث عن بقية أنماط المديرين الأخرى، ليتسنى لأفراد المجتمع الإداري – بعد التعرف إليها – تخفيف الضغط النفسي الذي يتعرضونه نتيجة تعاملهم مع بعض المديرين من أصحاب هذه الأنماط. والله المعين.